في الشمال الشرقي لتونس، حيث تلتقي زرقة البحر المتوسط ببياض الرمال الناصع، تقبع قليبية – ليست مجرد مدينة، بل حكاية تونس التي لا تُحكى. هنا، حيث تهمس الأمواج بحكايات الماضي، وتتحدث الحجارة بلغة الحضارات، تبدأ رحلتك في “خريطة المهدوش” إلى مكان يرفض أن يكون مجرد نقطة على الخريطة.
القلعة الشامخة: حوار الحضارات عبر العصور
ما يظهر للزائر اليوم ليس مجرد قلعة، بل هو شاهد عيان على ثلاثة آلاف عام من التاريخ. إنه لوحة فسيفسائية رائعة صنعتها أيادي سبع حضارات متعاقبة:
• البداية الفينيقية في القرن الرابع ق.م، عندما وضع التجار الأوائل اللبنة الأولى
• اللمسة البيزنطية في القرن السادس ميلادي، حيث بنى البيزنطيون حصناً جديداً
• العصر الإسلامي الذهبي مع الأغالبة في القرن التاسع، ثم توسعات الزيريين والحفصيين
• الحقبة العثمانية التي أعادت بناء أجزاء كبيرة بين القرنين 16 و19
• اللمسة الفرنسية بإضافة المنارة ومركز الإرسال البحري عام 1881
الوقوف هنا يعني التأمل في حوار صامت بين الحضارات، حيث تتراكم الطبقات التاريخية أمام عينيك كما تتراكم حكايات البحر على الشاطئ.
الشواطئ البيضاء: حيث يكتب البحر شعره على الرمال
بينما تتنافس شواطئ العالم على صفة “الذهبية”، ترفض قليبية إلا أن تكون فريدة. رمالها بيضاء ناصعة كالثلج، تلامس مياهاً زرقاء صافية في لوحة طبيعية تذكرك بأن الأرض ما زالت تحتفظ ببعض العذرية. استلقِ واسمع هدير الأمواج – ذلك الصوت القوي المطمئن الذي ينساب على الرمال البيضاء، مغسولاً بشمس تونس الدافئة.
الميناء العتيق: حيث تنبض روح المدينة
لا تكتفِ بمشاهدة البحر من الشاطئ، بل اغوص في حياته من خلال ميناء الصيد التقليدي. هنا، حيث:
• تتمايل القوارب الخشبية الملونة كأنها ترقص على إيقاع الأمواج
• تنتشر شباك الصيادين محملة بذكريات الصباح الباكر
• تعبق رائحة البحر الممزوجة باليود
اجلس في أحد المطاعم البسيطة وتذوق أطيب ما قدمه البحر من أسماك طازجة مشوية على الفحم. إنها متعة بسيطة لكنها عميقة، تذكرك بأن نكهة الحياة الحقيقية تكمن في هذه التفاصيل الصغيرة.
لماذا قليبية في “خريطة المهدوش”؟
لأنها ليست وجهة للاستهلاك السريع، بل للاستمتاع البطيء والتأمل
لأنها تقدم درساً ملموساً في التاريخ لا من خلال المتحف، بل من خلال مبنى حي
لأن شواطئها البيضاء تمنحك هدوءاً بصرياً ونفسياً نادراً
لأنها للرحّالة الذي يبحث عن الجوهر، لا عن الصورة فقط
:خاتمة المهدوش
في عالم أصبحت فيه الوجهات متشابهة، تظل قليبية مختلفة. مختلفة بتاريخها الذي لا يُكرر، وشواطئها التي لا تشبه غيرها، وهدوئها الذي لا يُشترى. هي ليست مجرد مدينة، بل هي تجربة شعورية تذكرك أن أجمل الرحلات هي تلك التي نعود فيها إلى أبسط الأشياء وأصدقها: حجارة تروي قصة، وبحر يهمس بأمجاد الماضي، ورمال بيضاء تغسل عنا تعب الألوان الصاخبة.
..زيارة قليبية ليست مجرد رحلة، بل استعادة للإحساس بالدهشة والاكتشاف.
